سيد قطب
2261
في ظلال القرآن
النفوس المؤمنة ، ويقيها الفتنة ، ويشملها بالرحمة . وفي القصة روايات شتى ، وأقاويل كثيرة . فقد وردت في بعض الكتب القديمة وفي الأساطير بصور شتى . ونحن نقف فيها عند حد ما جاء في القرآن ، فهو المصدر الوحيد المستيقن . ونطرح سائر الروايات والأساطير التي اندست في التفاسير بلا سند صحيح . وبخاصة أن القرآن الكريم قد نهى عن استفتاء غير القرآن فيها ، وعن المراء فيها والجدل رجما بالغيب . وقد ورد في سبب نزولها ونزول قصة ذي القرنين أن اليهود أغروا أهل مكة بسؤال الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - عنهما وعن الروح . أو أن أهل مكة طلبوا إلى اليهود أن يصوغوا لهم أسئلة يختبرون بها الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وقد يكون هذا كله أو بعضه صحيحا . فقد جاء في أول قصة ذي القرنين : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ . قُلْ : سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً » ولكن لم تجىء عن قصة أصحاب الكهف مثل هذه الإشارة . فنحن نمضي في القصة لذاتها وهي واضحة الارتباط بمحور السورة كما بينا . إن الطريقة التي اتبعت في عرض هذه القصة من الناحية الفنية هي طريقة التلخيص الإجمالي أولا ، ثم العرض التفصيلي أخيرا . وهي تعرض في مشاهد وتترك بين المشاهد فجوات يعرف ما فيها من السياق « 1 » . وهي تبدأ هكذا : « أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً . إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ، فَقالُوا : رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ، وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً . فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ، ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً » . وهو تلخيص يجمل القصة ، ويرسم خطوطها الرئيسية العريضة . فنعرف أن أصحاب الكهف فتية - لا نعلم عددهم - آووا إلى الكهف وهم مؤمنون . وأنه ضرب على آذانهم في الكهف - أي ناموا - سنين معدودة - لا نعلم عددها - وأنهم بعثوا من رقدتهم الطويلة . وأنه كان هناك فريقان يتجادلان في شأنهم ثم لبثوا في الكهف فبعثوا ليتبين أي الفريقين أدق إحصاء . وأن قصتهم على غرابتها ليست بأعجب آيات اللّه . وفي صفحات هذا الكون من العجائب وفي ثناياه من الغرائب ما يفوق قصة أصحاب الكهف والرقيم « 2 » . وبعد هذا التلخيص المشوق للقصة يأخذ السياق في التفصيل . ويبدأ هذا التفصيل بأن ما سيقصه اللّه منها هو فصل الخطاب في الروايات المتضاربة ، وهو الحق اليقين : « نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ . إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً . وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا : رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً . لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً . هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً . لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ . فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ؟ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ - إِلَّا اللَّهَ - فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ ، يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ، وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً » . هذا هو المشهد الأول من مشاهد القصة . « إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ » . . « وَزِدْناهُمْ هُدىً » بإلهامهم كيف
--> ( 1 ) يرجع فصل « القصة في القرآن » في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق » . ( 2 ) الكهف : الفجوة في الصخر . والرقيم - في الغالب - هو الكتاب الذي يحمل أسماءهم وربما كان هو الذي وضع على باب الكهف الذي عثر عليهم فيه .